الشيخ محمد رشيد رضا
14
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * * * ( سنن الله وحكمه في هذه القصص وأمثالها ، والاعتبار بها ) من سنة القرآن الحكيم انه يبين العقائد بدلائلها ، والاحكام مؤيدة بحكمها وعللها ، والقصص مقرونة بوجوه العبرة والموعظة بها وسنن الاجتماع فيها ، كما ترى في هذه الآيات التسع التي قفي بها على قصص القوم المهلكين وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ الواو في أول الآية لعطف الجملة وما بعدها إلى آخر السياق الذي وضعنا له العنوان على مجموع ما قبلهن من القصص لمشاركته إياه « 1 » في كونه حكما له وعبرا مستفادة منه - فعطف الجمل يشمل الكثير منها ( كالسياق برمته ) ، ولا وجه للفصل هنا . والقرية المدينة الجامعة لزعماء الأمة ورؤسائها التي يعبر عنها في عرف هذا العصر بالعاصمة كما تقدم مرارا وكان الأنبياء يبعثون في القرى الجامعة لان سائر البلاد تتبع أهلها إذا آمنوا . والبأساء الشدة والمشقة كالحرب والجدب وشدة الفقر ، والضراء ما يضرّ الانسان في بدنه أو نفسه أو معيشته ، والاخذ بها جعلها عقابا ، وقد تكون تجربة وتربية نافعة . وتقدم مثل هذا في قوله تعالى من سورة الأنعام ( 6 : 42 وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ) فيراجع ( في ص 412 ج 7 تفسير ) فإنه بمعنى ما هنا ولكن السياق مختلف ، فلما كان ما هنا قد ورد عقب قصص طائفة من الرسل جعل هذا المعنى قاعدة كلية وسنة مطردة في الرسل مع أقوامهم ليعتبر به كل من سمعه أو قرأه في عصر التنزيل وما بعده . ولما كان ما هنالك قد ورد في سياق تبليغ خاتم الرسل للدعوة ومحاجة قومه جعل خطابا خبريا له لتسليته وتثبيت قلبه من جهة ولتخويف كفار قريش وانذارهم من جهة أخرى - وهذا ملاحظ هنا أيضا ولكن بالتبع للاعتبار بالسنة العامة لا بالقصد الأول . والمعنى : ذلك شأن الرسل مع أقوامهم الهالكين ، وما أرسلنا نبيا في
--> ( 1 ) أي لمشاركة المعطوف للمعطوف عليه